انت هنا : الرئيسية » مقابلات » يشار امام أوغلو يسرد ذكرياته عن المراحل التي مرت بها الحركة التركمانية العراقية منذ أربعة عقود

يشار امام أوغلو يسرد ذكرياته عن المراحل التي مرت بها الحركة التركمانية العراقية منذ أربعة عقود

جتين البزركان

القسم ألاول

الظروف والصدف السعيدة هي التي أتاحت لي فرصة اجراء لقاء صحافي مع شخصية سياسية تركمانية محترمة تتصف بالنزاهة في كل النواحي ومن أبرزها بالطبع النزاهة في سرد مرحلة مهمة من تاريخ الحركة التركمانية العراقية دون السعي لتهميش أو اقصاء ألاخر أو التقليل من دوره في هذه الحركة , والحق أنني استفدت كثيرا من اجراء هذا اللقاء مع السيد يشارامام أوغلو المتواجد حاليا في العراق وفي مدينته كركوك تحديدا من جانب اغناء معلوماتي عن المراحل التاريخية التي مرت بها الحركة التركمانية العراقية ومنذ نهاية خمسينات القرن الماضي .
كما استطلعت رأيه السديد الذي يؤشر حقيقة على كونه سياسيا محترفا يملك خبرة وتجربة كبيرة في هذا المجال في العديد من القضايا التي تهم الشأن التركماني والمطروحة على الساحة اليوم .
حقيقة فانني أوصي السادة القراء الكرام بقراءة نص هذا اللقاء الصحافي ومن ثم الحكم على كلامي الذي ذكرته أعلاه لأن البعض يتهمونني بأنني أفرط في مدح ألاشخاص الذين أجري لقاءات صحافية معهم أو أنني أجاملهم على حساب المهنية الصحافية .
ولطول مدة المقابلة فانني ارتأيت أن أقسمها الى قسمين وها أنا أدفع للنشر القسم ألاول من هذا اللقاء على أن أتبعه بالقسم الثاني حال اكمالي لكتابته .

********************************************

جتين البزركان : يشار امام أوغلو … كيف كانت البداية .

يشار امام أوغلو : البداية كانت مع تفتح وعيي القومي وادراكي لماهية كوني تركمانيا عراقيا . وخلال دراستي في المرحلة ألاعدادية وفي العام 1967 تحديدا , تعرفت على مجموعة من ألاصدقاء التركمان الذين زاملوني في الدراسة ألاعدادية في مدينة كركوك وكانوا يشاطرونني نفس شعوري وأفكاري ومنهم أحمد مرادلي ونبيل مرادلي وغازي عبد المجيد ومحمد هاشم وفاروق أردم وياووز بياتلي , وفي خارج المدرسة كان لدي رفاق أخرون يحملون نفس توجهي ومنهم شقيقي الكبير عبد السميع امام أوغلو ونائل حسيب اللذان كانا يدرسان في اعدادية الصناعة في كركوك في ذلك الوقت وفي منطقة المصلى الشعبية كان لدي رفاق أخرون منهم المرحوم الشهيد رشدي مختار أوغلو وثابت وهشام عبد المجيد وعبد الوهاب كوله مان ,
وهؤلاء الذين أذكرهم حاليا وأعتذر مقدما من كل من قد أكون نسيت اسمه سهوا , وكان المشرف على توجيهنا جميعا هو ألاستاذ أرشد هرموزلو الذي اختار مجموعة منا وكنت أنا من ضمنهم لتشكيل فرقة للفنون الشعبية التركمانية لتكون كواجهة تغطي على نشاطاتنا القومية
وكنا نلتقي بمعية ألاستاذ أرشد هورموزلو في جمعية الهلال ألاحمر العراقي في مدينة كركوك حيث كان يقوم بتدرسينا مباديء اللغة اللاتينية وأساسيات اللغة التركمانية كما كان يقوم بتزويدنا بالكتب ذات التوجه القومي لزيادة ثقافتنا القومية وتوسيع أفاق مداركنا ومنها مثلا كتاب
( ألاضواء التسعة ) , وقد استمرينا على هذا الحال حتى العام 1970 حيث بدأ النظام السابق يكشر عن أنيابه ويظهر مدى عنفه وقسوته تجاه كل من يخالفه في الرأي أو يعارضه .
وفي العام 1971 وبعد أن بادر النظام السابق الى ألالتفاف على القرار الذي أصدره في العام 1970 والقاضي بمنح التركمان حقوقهم الثقافية في العراق بعد مرور عام واحد فقط شاركت أنا ورفاقي ألاخرين في ألاضراب الذي نظمه التركمان في مدينة كركوك احتجاجا على هذا ألاجراء حيث تم منع التعليم بلغتنا ألام في مدارسنا التركمانية كما جرى منع تداول اللغة التركمانية بأي شكل كان , والحق أن أغلب المشاركين في هذا ألاضراب كانوا من الشريحة الطلابية لأنه وكما هو معروف فان الطلبة يشكلون دوما الفئة المؤمنة بالمباديء والقيم التي يعتنقوها .
والحق أننا قمنا بالتنسيق فيما بيننا نحن الدارسين في مختلف مدارس مدينة كركوك اضافة الى رفاقنا ألاخرين الذين كانوا يدرسون في معهد اعداد المعلمين ومنهم الشهيد حسين علي دميرجي الشهير بلقب ( تمبل عباس ) والذي أستشهد تحت التعذيب في أقبية النظام السابق وقررنا اعلان ألاضراب .
تجنبا لعيون وجواسيس النظام السابق وكنا نمول نشاطاتنا ذاتيا عن طريق نظام ألاشتراك الشهري الذي كنا نطبقه , وفي مدينة طوز خورماتو كنا نلتقي في دار المرحوم يشار مهدي أو في داري ألاخوين لطفي وصلاح عوني أما في مدينة اربيل فكنا نلتقي في دار ايدن أرسلان .
وبناء على ذلك فان عناصر هذا التنظيم الطلابي من التركمان كانوا هم النواة التي ساهمت في استمرارية مسيرة الحركة التركمانية العراقية سواء داخل العراق أو في المنفى طيلة السنوات اللاحقة من عمر النظام السابق وبالتالي فان كل السياسيين العاملين على الساحة اليوم أعرفهم جيدا بحكم عملنا معا في تلك السنوات الصعبة .
وبعد اكمالي لمرحلة الدراسة ألاعدادية في العام 1971 قررت السفر الى تركيا لاكمال دراستي العليا وهناك انكببت الى جانب دراستي ألاكاديمية بدراسة أغلب الكتب المتعلقة بتاريخ ألاتراك وكل الجوانب المتعلقة بهم وقد أتت تلك المطالعات بمثابة حلقة وصل مع مطالعاتي حينما كنت داخل الوطن حيث قرأت أغلب المؤلفات عن تاريخ العراق الحديث والمراحل المتعلقة التي مر بها العراق منذ تأسيسه وكل هذا ساهم في انفتاح وعيي السياسي وزيادة ثقافتي السياسية والعامة وهكذا كان حال أغلب رفاقي ألاخرين وأذكر أننا كنا ننظم حلقات نقاشية لمناقشة وتحليل أخر كتاب صدر وقرأناه وأستمرينا على هذا الحال حتى بعد انتقال بعضنا لتكملة دراسته العليا في تركيا .

جتين البزركان : بعد انتقالك الى تركيا لتكملة دراستك العالية , هل التقيت بالقيادي التركماني المعروف الشهيد الدكتور نجدت قوجاق الذي كان متواجدا هناك كذلك لتكملة دراسته العليا .. وكيف تصف لنا شخصيته وهل كان بالفعل يمثل ظاهرة لافتة للنظر من حيث صفاته القيادية التي كانت تؤهله ليكون قائدا سياسيا للتركمان في العراق .

يشار امام أوغلو : دعني أوضح لك أمرا مهما فقيادة التنظيم الطلابي اتركماني السري في عهد النظام السابق داخل العراق كان يتولاه كلا من ألاستاذين أرشد هورموزلو وابراهيم أغا أوجي وكان لهم ارتباط مباشر مع الشهيد الدكتور نجدت قوجاق خلال فترة وجوده في العاصمة بغداد وبعد انتقاله الى تركيا لتكملة دراسته العليا , وبعد انتقالي للدراسة في تركيا مع عدد من رفاقي ألاخرين أصبحنا على صلة مباشرة بالشهيد قوجاق وكنا نمثل حلقة تضم كلا من المرحوم ييلدرم حسن زاده وهو ابن شقيقة الزعيم التركماني الكبير الشهيد عطا خير الله وغازي عبد المجيد وأحمد مرادلي ونبيل مرادلي وسعد الدين أركيج وفاروق عبد الله عبد الرحمن وغيرهم .
وحقيقة ياجتين فانك بسؤالك عن انطباعاتي حول الشهيد نجدت قوجاق فانك أثرت بداخلي ذلك البركان الذي مازال ثائرا حتى اليوم !
بداية أو القول أن الشعب التركماني في العراق أنجب وطوال تاريخه الحديث العديد من القادة الكبار المخلصين من أمثال الشهيد الزعيم عطا خير الله والمرحوم قاسم بك النفطجي والشهيد صلاح الدين أوجي وشقيقه الشهيد محمد أوجي وخلال فترة أوخر الخمسينات التي شهدت وقوع مجزرة الرابع عشر من تموز ضد التركمان في مدينة كركوك فا القيادة التركمانية الحقيقية كانت تتجسد بكلا من المرحومين عطا خير الله وقاسم بك النفطجي .
ومن سوء حظ التركمان في العراق أنه وطوال العقود الماضية وخلال عهود ألانظمة السابقة التي حكمت البلاد , متى ماكان يبرز لديهم قيادات حقيقية يعقدون أمالهم عليهم فانك لو تتبعت التاريخ فانك سترى أن هذه ألانظمة كانت تستهدفهم بالتصفية الجسدية بعد سنوات قليلة جدا من بروزهم .. وبعد وقوع مجزرة الرابع عشر من تموز سنة 1959 وتصفية القيادات التركمانية خلالها ظلت الساحة التركمانية تفتقد الى مفهوم القائد الذي يوجهها ويأخذ بيدها وهنا لانستطيع أن ننكر دور الزعيم الشهيد عبد الله عبد الرحمن الذي تولى مهمة قيادة التركمان في فترة الستينات من القرن الماضي بعد تأسيس نادي ألاخاء التركماني العراقي في العاصمة بغداد … والزعيم الشهيد عبد الله عبد الرحمن مارس دورين متوازيين فهو كان يمثل التركمان العراقيين أمام النظام السابق باعتبار أن نادي ألاخاء التركماني العراقي الذي كان يترأسه يعمل بشكل علني وبموافقة الحكومة العراقية وقد تأسس باجازة رسمية منها وتسري عليه كافة القوانين العراقية النافذة في ذلك الوقت .. من جانب أخر فانه كان يعتبر في الوقت نفسه زعيم الحركة التركمانية العراقية السرية التي كانت تعارض نهج النظام السابق وتسعى لتغييره .
وبعد اكمالي لدراستي العليا في تركيا عدت الى أرض الوطن حيث بدأت باداء خدمة العلم في احدى الوحدات العسكرية القريبة من العاصمة بغداد كما عاد قبلي بسنوات الى العراق الشهيد الدكتور نجدق قوجاق الذي قرر العودة الى الوطن بعد نيله لشهادة الدكتوراه في الهندسة في تركيا وقد تعين بصفة أستاذ في كلية الهندسة في جامعة بغداد .
وقد ظللت على اتصال مستمر معه خلال فترة وجوده في العاصمة بغداد في تلك الفترة وأذكر هنا للتاريخ أنني كنت في زيارته في داره قبل اعتقاله بنصف ساعة في العام 1979 من جانب المخابرات العراقية السابقة .
والشهيد نجدت قوجاق يعد هو الزعيم السياسي التركماني الذي فعل مفهوم العمل القومي التركماني بأفكاره ومشاريعه فقد كان منظرا من طراز خاص قل نظيره والدليل على ذلك أنه ربط مفهوم العمل القومي بألالتزام الديني وألاخلاقي والتمسك بمباديء الدين ألاسلامي الحنيف
وقد كانت فلسفة الشهيد قوجاق تتلخص بما يلي :-
( على كل من يؤمن بمباديء العمل القومي التركماني أن يكون مؤمنا في الوقت نفسه بوحدانية الله عز وجل وأن يكون متمسكا ومؤمنا ايمانا تاما بمباديء الدين ألاسلامي الحنيف وأن يؤدي كافة فرائض الدين ألاسلامي
وأن يتحرق عشقا في محبة شعبه وأن يسخر كل امكاناته في سبيل نهضة شعبه وتطوره ) .
ولاحظ أننا نحن تلامذة الشهيد قوجاق في تلك الفترة التزمنا بمبدأه هذا ولم نعش فترة شبابنا مثل الشباب ألاخرين من أعمارنا ولم نكن نبحث عن التسلية واللهو بل كرسنا أوقاتنا في المطالعة وتثقيف أنفسنا واخترنا أسلوب الحياة المحافظة المنسجمة مع مباديء الدين ألاسلامي الحنيف
ونجدت قوجاق اذا قسناه الى باقي القادة الذين ظهروا في العالم التركي قاطبة فاننا سنرى أنه يحتل مكانة مرموقة بينهم وهنا لاأريد ألاساءة بكلامي الى الذكرى العطرة لكلا من الشهيدين الزعيمين عطا خير الله وعبد الله عبد الرحمن فكلا من هؤلاء القادة كان له دوره المؤثر في مرحلة معينة من المراحل التي مرت بها الحركة التركمانية العراقية وهم يمثلون امتدادا لبعضهم البعض ولكن مايميز الشهيد قوجاق عنهم أنه كان يمتلك عبقرية خاصا في مجال العمل التنظيمي السري وخلال فترة قيادته للحركة التركمانية العراقية كان بمعيته ستون شابا تركمانيا من الطلبة الدارسين في مختلف الجامعات العراقية والتركية وكانوا يتلقون التوجيهات منه ويوصلونها الى الحلقات التابعة لهم من الطلبة التركمان وعليك أن تقيس مدى اتساع رقعة التنظيم الطلابي التركماني السري الذي كان يعارض نهج النظام السابق والذي كان يتلقى التوجيهات من شخص واحد هو الشهيد قوجاق الذي كان يقود مسيرة الحركة التركمانية العراقية في ذلك الوقت .
ولكي تدرك مدى شجاعة وجرأة هذا الرجل الذي وهب حياته في سبيل الحركة التركمانية العراقية سأروي لك وللتاريخ هذه القصة عنه وهي تعكس بألاضافة الى صفاته المميزة ألاخرى مدى ايمانه وورعه .
( في يوم من أيام عام 1979 وكما قلت لك من قبل حين كنت عسكريا أؤدي خدمة العلم في مكان قريب من العاصمة بغداد قررت زيارة دار الشهيد الدكتور نجدت قوجاق وألالتقاء به رغم أن رفاقي ألاخرين حذروني ونبهوني بعدم الذهاب لأن الدار تخضع لمراقبة مستمرة من جانب عناصر مخابرات النظام السابق الذين كانوا يحيطون به احاطة تامة وهذه ألاجراءات كانت قبل فترة قليلة جدا من اعتقاله ولكنني توكلت على الله وقررت الذهاب مستخدما مسالك خاصة تجنبا لرصدي من جانب عناصر المخابرات .. والحق أنني وصلت الى الدار وخلال لقائي به رجوته بأن يغادر بصحبتي فورا ومن نفس الطريق الذي أتيت منه ونتوجه من فورنا الى مدينة كركوك ومنها مباشرة ومن دون أي توقف نتوجه الى شمال العراق لنخلصه من المصير الذي ينتظره ولكن ماذا كان رده لي تصور … لقد ابتسم لي وقال يايشار أنا رجل أؤمن بمقدرات الله وماهو مكتوب لي ولكن لاتخف فانهم حتى ولو اعتقلوني فان ذلك سيكون لبرهة وجيزة وسيطلقون سراحي لأنهم لايمتلكون أية أدلة ضدي ليتمكنوا من ادانتي بموجبها .. وأنا يايشار ان لم أصمد وأثبت في مكاني ولو قررت الهرب فان كل مابنيته طوال هذه السنين سينهار ويذهب هباء ) .
والحق أنني أشبهه بكلامه هذا بالقبطان الحقيقي الذي يرفض أن يركب قارب النجاة مع طاقمه حين تتعرض سفينته للغرق بل يظل واقفا وسطها ويغرق معها وصدقني أنه كان بامكانه الهرب معي وبكل سهولة سواء عن طريق انتقالنا الى بيت مجاور أخر ومن ثم الخروج من هناك متنكرا
الا أنه رفض ذلك وبكل اصرار وقال مانصه :-
( لاتخافوا فانها محنة وتزول وهم حتى وان اعتقلوني فانهم سيطلقون سراحي ) ولكنه رحمه الله غفل عن شيء مهم ألا وهو الخيانة التي تعرض لها من جانب أحد أفراد التنظيم العامل تحت أمرته والذي أوشى بكل المعلومات المتعلقة به الى مخابرات النظام السابق وحقيقة نحن أيضا كنا غافلين عن هذا الشخص وطوال سنوات طويلة رغم أنني لم أكن أعرفه شخصيا ولم أكن على صلة مباشرة به .

جتين البزركان : حسنا ماذا حل بتنظيمكم بعد اعتقال الشهيد قوجاق .. وماذا قررتم اتخاذه من اجراءات بعد وقوع هذا ألامر الجلل .

يشار امام أوغلو : حقيقة وضعنا في تلك ألايام كان أشبه بمن تلقى صفعة مؤلمة وبشكل مفاجيء ومن دون أن يعرف مصدر هذه الصفعة .. وقد انهارت البنية التنظيمية بعد اعتقال الشهيد قوجاق بسبب عدم وجود من يستطيع أن يملي مكانه في تلك الفترة العصيبة ولاحظ أنه وحتى اليوم لم يظهر بين الطبقة السياسية التركمانية من يستطيع ملء الفراغ الذي تركه الشهيد الدكتور نجدت قوجاق , وبناء على المستجدات التي طرأت فاننا اتخذنا قرارا بتجميد عمل التنظيم الى اشعار أخر ووجهنا الجميع بأن يمارسوا حياتهم بشكل طبيعي ولكن من دون اتصال أي منهم بألاخر لأي سبب كان .
وفي تلك الفترة ظل اتصالي مقصورا بثلاثة أشخاص فقط وهم كلا من أحمد مرادلي ونبيل مرادلي وغازي عبد المجيد وكانت لقاءاتي تتم بهم بشكل انفرادي ومن دون معرفة ألاخرين تجنبا للمراقبة وفي تلك الفترة قرر أحمد مرادلي الخروج من العراق بينما قررت أنا البقاء داخل الوطن وعدم مغادرته في تلك الفترة … وبعد ادائي لخدمة العلم تم تعييني بصفة مهندس في احدى الدوائر التابعة للدولة الا أنني ظللت طوال السنوات اللاحقة أعيش في حالة منفى داخل الوطن فقد نسبوني الى أماكن مختلفة فقضيت فترة في مدينة الرمادي ومن ثم نقلوني الى مدينة الفلوجة وبعدها الى مدينة بعقوبة وبألاضافة لكل ذلك فانني كنت ممنوعا من السفر الى خارج القطر باعتبار أنني مصنف ضمن المعادين للنظام .
وفي العام 1986 تم استدعائي الى مديرية أمن كركوك للتحقيق معي .. ولكنه كان تحقيقا روتينيا مضى في سبيله ولكنه تكرر في ألاشهر التالية ولعدة مرات .. واستنادا الى ذلك قررت أنه قد ألاوان للخروج من العراق بعد تولد احساس لدي بأن النظام لن يتركني في حال سبيلي بل سيواصل مضايقته وضغوطاته علي وعلى هذا ألاساس حزمت أمري وتوكلت على الله وقررت الخروج مع عائلتي من البلاد عن طريق شمال العراق ووصلت الى تركيا التي لجأت اليها مع عائلتي في نفس العام وقد تركنا في كركوك كل شيء ورائنا .

جتين البزركان : كيف كان شكل مساهمتك في الحركة التركمانية العراقية بعد انتقالك لتركيا .

يشار امام أوغلو : ظللت لفترة أعيش حالة من الجمود بفعل تغير البيئة وطبيعة الحياة اضافة الى أنني كنت منشغلا لفترة من الوقت في ألاجراءات القانونية الخاصة بتثبيتي كلاجيء في تلك البلاد وبعد ذلك انشغلت بأمور الحياة اللازمة لضمان استقرار عائلتي وفي العام 1989 انتقلت للأقامة في العاصمة التركية أنقرة بعد أن ظللت لفترة وحال وصولي الى هناك مستقرا في مدينة اسطنبول وبعدها انتقلت الى مدينة ازمير لفترة من الوقت قبل مجييء الى العاصمة أنقرة وكانت اجراءات التنقل هذه بين فترة وأخرى ضرورية من الناحية ألامنية تجنبا لعيون النظام السابق التي كانت منتشرة في العديد من الدول ومنها تركيا .
وبعد استقراري في العاصمة أنقرة قررت العودة من جديد للعمل السياسي عن طريق عن طريق جمعية التعاون والثقافة لأتراك العراق التي كان يرأسها في تلك الفترة رفيق دربنا السيد رياض صاري كهية وكانت تضم في عضويتها رفاقا أخرين لنا لهم دورهم المشهود في الحركة التركمانية العراقية مثل الدكتور مظفر أرسلان والشهيد مصطفى كمال يايجلي وزياد كوبرلو والدكتور ماهر النقيب والمرحوم الدكتور أحمد الذي لايحضرني اسم والده وغيرهم وقد انضممت الى الجمعية وجرى اسناد منصب النائب الثاني لرئيس الجمعية لي وبعد فترة وصلنا الى قناعة مفادها بضرورة السعي لتفعيل واقع الحركة التركمانية العراقية عن طريق تشكيل حزب سياسي تركماني معارض للنظام السابق في المنفى يتولى مهمة الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للتركمان في العراق والتي كان النظام السابق قد أنكرها عليهم بشكل كلي وانطلقنا من هذه القناعة استنادا الى أن العمل من خلال جمعية أو ماشابهها لايفي بالغرض الذي نهدف اليه ألا وهو السعي لاسترداد حقوقنا القومية المشروعة كتركمان ضمن الوطن العراقي , وفي العام 1988 أكملنا كتابة النظام الداخلي للحزب المقترح الذي قررنا اطلاق اسم الحزب الوطني التركماني العراقي عليه رغم أن أساتذتنا الكبار من التركمان وهم أولئك الذين كان قد مر عليهم عقود طويلة في تركيا والذين تجنسوا وأصبحوا يشغلون وظائف مرموقة في الدولة التركية نصحونا بعدم تشكيل هذا الحزب خوفا من استثارة النظام السابق لما كانوا قد عهدوا عنه من عنف ووحشية تجاه معارضيه .. وهم كانوا محقين من جانب في وجهة نظرهم تلك استنادا الى أنهم كانوا يخشون على التركمان المتواجدين داخل العراق من غضب النظام السابق الذي قد يبادر بدافع رد الفعل ألانتقامي الى تصعيد مضايقاته وضغوطاته عليهم .. الا أن القرار الذي اتخذناه بالاجماع كان قطعيا ولامجال للتراجع عنه بأي حال من ألاحوال وقد صممنا على أن نعلن ميلاد هذا الحزب حين تأتي الظروف ألاقليمية والدولية المناسبة لذلك وحين يتم اعطائنا الموافقة ألامنية من جانب الدولة المضيفة لنا .
وفي العام 1990 أصبحت الظروف السياسية بشكل عام ملائمة للأعلان الرسمي عن ولادة الحزب الوطني التركماني العراقي فقررنا اعلانه رسميا وبأسمائنا الحقيقية نحن أعضاء مجلس السكرتارية والمكتب السياسي للحزب كنوع من أنواع التحدي لجبروت ذلك النظام .
وقد كان للحزب دوره المشهود في استقبال اللاجئين العراقيين الذين هربوا من بطش النظام السابق بعد أحداث انتفاضة العام 1991 والذين لجئوا الى المخيمات التي أقامتها الحكومة التركية داخل أراضيها لاستقبال هؤلاء اللاجئين فتوجه قسم منا الى منطقة شمدلي وقسمنا ألاخر الى محافظة سيواس والقسم ألاخر الى محافظة قيصري لتسهيل أمور ايواء هؤلاء اللاجئين .
وقد كانت تشكيلة الحزب تضم كلا من الدكتور مظفر أرسلان ويشار امام أوغلو ورياض صاري كهية وزياد كوبرلو والمرحوم الشهيد مصطفى كمال يايجلي والدكتور أيدن بياتلي وحسن أوزمن وفوزي توركر وشعيب قبلانلي وكان هؤلاء يمثلون أعضاء المكتب السياسي للحزب أما اللجنة المركزية للحزب ( مجلس سكرتارية الحزب ) والتي كانت تتألف من
( 27 ) شخصية سياسية تركمانية مقيمة في تركيا فكانت تضم الى جانب هؤلاء كلا من صواش أوجي وفريدون هورموزلو وفاتح تورك جان والدكتور هشام دمير كوبرلو اضافة الى شخصيات أخرى وقد تولى الدكتور مظفر أرسلان بداية مسؤولية رئاسة مجلس سكرتارية الحزب قبل أن يتم اجراء تغيير في هيكلية المناصب حيث اتبع الحزب بعد مؤتمره العام الذي انعقد في العاصمة التركية أنقره في العام 1993 تسمية رئيس الحزب بدلا من منصب رئيس مجلس سكرتارية الحزب وقد كان هذا المؤتمر حقيقة ظاهرة ديمقراطية فريدة حيث وجهت الدعوات الى كل الشخصيات التركمانية القاطنة في تركيا بألاضافة الى الدول ألاوربية كما حضرها مندوبون من التركمان القاطنين في مدينة أربيل وقضاء كفري وقد تم انتخاب الدكتور مظفر ارسلان مجددا لرئاسة الحزب بينما تم انتخابي نائبا له فيما شغل ألاعضاء ألاخرون عضوية المكتب السياسي للحزب .

جتين البزركان : هل كان الحزب هو من نظم التظاهرة التركمانية التي أقيمت أمام القنصلية العراقية في مدينة اسطنبول احتجاجا على القمع الوحشي الذي مارسه النظام السابق ضد العديد من المدن العراقية وأهاليها بعد قمعه للأنتفاضة في العام 1991 والتي سقط فيها العديد من الشهداء التركمان من المقيمين في تركيا بعد فتح عناصر حرس القنصلية النيران عليهم .

يشار امام أوغلو : بعد ورود أنباء القمع الوحشي للأنتفاضة الى التركمان المقيمين في تركيا فان حالة من الغليان ساد نفوسهم وخاصة الشباب منهم وقد اجتمعوا في مبنى جمعية التعاون والثقافة لأتراك العراق في مدينة اسطنبول التركية وقرروا تنظيم مظاهرة احتجاجية أمام مبنى القنصلية العراقية الواقعة في منطقة تقسيم وسط اسطنبول وقد شارك منتسبوا حزبنا من المقيمين في هذه المدينة الى جانب التركمان ألاخرين في هذه التظاهرة , الا أنه وحسب ماظهر فيما بعد فان أخبار هذه التظاهرة كان قد جرى تسريبها الى عناصر القنصلية وقبل تنظيمها بعدة ايام من جانب عيونهم المنتشرين بين التركمان المقيمين في تركيا وبناء على ذلك فانهم اتخذوا اجراءاتهم ألاحترازية تحسبا لهذا ألامر وقد بادروا الى اطلاق النار على المتظاهرين ألامر الذي تسبب في استشهاد مواطنين تركمانيين .

الصعود لأعلى